بقلم :عبد العزيز بوباكير
في رسالة رقيقة إلى الدكتور محي الدين عميمور، مؤرخة ب 19 أفريل 1979، كتب الشاعر الكبير نزار قبّاني يقول:"إن إقامتي القصيرة في الجزائر، كشفت لي كم يستطيع رجل ما، أن يغيّر مدينة.. أو بلاداً بأكملها بحرًا.. وجبالاً.. وسماء.. ونجومًا.. وأشرعة.. رحلتي إلى الجزائر كانت من أهم رحلاتي، فقد عدت وأنا أشدّ إيمانا بشعري.. وأشدّ إيمانا بالجزائر.. فعندكم اكتشفت أبعاد صوتي الحقيقية، واكتشفت أبعاد هذه الأرض التي لا بد من التغلغل تحت أعصابها، للوصول إلى ينابيع العشق المطمورة في داخلها..".
أبعاد الجزائر تجلّت في شعر نزار قبّاني خلال رحلاته العديدة إليها، وفي حبّه العذري لها، وتجلّت قبل ذلك في القصيدة الرائعة، التي كتبها في نهاية 1957، عن جميلة بوحيرد، التي يسمو بها درجات فوق جان دارك، فيقول"ما أصغرَ جان داركَ فرنسا في جانب( جان داركَ ) بلادي.." (أدعو بالمناسبة حاكم الشارقة البدوي أن ينزع الدشداشة، ويلبس سروالا، إن كان له سروال، ويبحث عن من يقرأ له هذه القصيدة، فهو لا يقرأ!).
خلّد نزار قبّاني جميلاتنا، كما خلّدها بابلو بيكاسو في لوحاته، صامدة، متحديّة، راسمة أروع صفحات البطولة وأنصع آيات الإخلاص لشعبها. يقول نزار قباني:
الاسمُ: جميلةُ بوحَيردَ
تاريخٌ: ترويه بلادي
يحفظُهُ بعدي أولادي
تاريخ امرأة من وطني
جلدت مقصلةَ الجلاَّدِ ..
امرأةٌ دوَّختِ الشمسا
جرحت أبعادَ الأبعادِ ..
ثائرةٌ من جبل الأطلَس
يذكرها الليلكُ والنرجس
يذكرُها .. زهرُ الكبَّاد ..
كان من حظي أن التقي الشاعرين محمود درويش ونزار قبّاني أثناء تواجدهما في الجزائر. كانت أعراسا بهيجة للشعر والفرح. كان نزار كلّه دهشة، عائشا في نشوة من مشاعر النبل والاضطراب الجميل، وكان ذلك واضحا في بريق عينيه ونبرات صوته، فقد أحسّ خلال زياراته أن "الجزائر أكبر من جميع عشّاقها، وأعظم من جميع ما كُتب عنها.. ولا أدري لماذا شعرت، وأنا أقف على شرفة غرفتي في الفندق والميناء تحتي مهرجان من الضوء والماء والجواهر، برغبة طاغية في البكاء أو الاعتذار من ’’ حيّ القصبة’’ بأزقّته الضيّقة، وسلالمه الحجرية، ومنازله الخشبية التي تخبئ البطولات فيها، كما يختبئ الكحل في العين السوداء.آه . . كم هو جميل وجه الجزائر..!!
ظلت الجزائر حيّة في حنايا نفسه وثنايا شعره تذكره بعهد من البطولات، و"قصيدة مرسومة بأكواريوم في مخيّلتنا، وكانت ثورتها لؤلؤة تتوهّج في قلب كل مثقف عربي، وبين أصابعه، ولكن كل ما كتبناه عن الجزائر كان، على عذوبته وبراءته وصدقه، شبيها بما كتبه جميل بثينة في لحظة من لحظات العشق الكبير..." وتذكره، أيضا، بخيبات الأمل وبالانتكاسات والانكسارات والهزائم، لأن العرب، كما يقول: "لم يستخلصوا العبرة من الثورة الجزائرية".
أه...ما أجمل أيام الشعر!
آه...ما أجمل الجزائر!